“١- “البداية

 

رمت نورهان هاتفها الذكي على الكرسي المجاور لها في السيارة، وزفرت في حنق إذ وجدت نفسها في مكان مجهول فجأة، وهي التي وثقت في نظام تحديد المواقع العالمي، واتبعته صاغرة حتى آخر لحظة!
لم تجد نورهان بدا من إيقاف سيارتها، والترجل منها بحثا عمن تسأله، ولكن لا أحد على الإطلاق!
“فين المشاة لما نعوزهم؟ فالحين بس يظهروا فجأة قدام العربية في عز الزحمة” فكرت في غيظ…
نظرت نورهان حولها في حيرة فاسترعى انتباهها منزل تحت الإنشاء، توجهت نحوه علها تجد حارسا أو غفيرا لتسأله، وبينما هي تخطو شاخصة ببصرها تجاهه، إذ بها تتعثر في شوال ضخم ملقى وسط الحشائش غير المشذبة…
نظرت نحو الشوال… ثم انطلقت صرختها تصم الأنحاء…


“٢- “الشوال

 

بجسد ينتفض، وساقين من المعكرونة، تحركت نورهان نحو سيارتها واستقلتها متوجهة نحو العمران، وهناك أوقفتها وجلست تلتقط أنفاسها وهي تحاول تذكر رقم النجدة…
ضغطت بأصابعها المرتعشة 122، وحمدت الله إذ جاءها الرد سريعا على غير ما توقعت، فانطلقت متلعثمة:
“آلو… آآآآآ فيه جثة… جثة في شوال على الأرض”
“افندم؟ جثة؟ حضرتك لو ده بلاغ كاذب…..”
“لا والله العظيم مش كاذب، أنا خبطت ف شوال وطلعت منه ايد كلها دم”
“طيب حضرتك فين بالضبط”
“أنا في التجمع الأول… قدامي سوبرماركت مكتوب عليه البنفسج الجديد”
“والجثة هناك؟”
“لا لا الجثة لجوه في حتة مقطوعة”
“طيب عشر دقايق والأمين يكون عندك”
وتم أخذ بياناتها وإنهاء المكالمة…
جلست نورهان في السيارة وقد بدأت أنفاسها تهدأ، ثم انتبهت على نقاط من الدماء تلوث تنورتها، دق قلبها سريعا واتسعت عيناها في ارتياع وهي تتساءل عن مصدرها، قبل أن تكتشف أنها من جرح صغير في إصبعها…
ضيقت عينيها وانحبس نفسها محاولة التذكر، كيف ومتى يمكن أن تكون أصيبت به…
“آآآه، أكيد من الإزاز اللي كان جنب الشوال، لما وطيت أجيب المفاتيح”، قالتها لنفسها وهي تتذكر مفاتيح السيارة التي سقطت من أيديها المرتعشة فوقعت وسط قطع من الزجاج الدقيق المتهشم بجوار الشوال، وكيف التقطتها وهي تسرع نحو سيارتها في رعب…
أخرجت النفس المنحبس أخيرا بعدما عرفت مصدر الدماء…
ثم أخذت تفكر في وضعها الحالي:
“أعمل ايه دلوقت! مافيش أمل خلاص أحجز الورشة… أنا نازلة متأخرة أساسا، والـ GPS الله يسامحه توهني… وكمان جثة!”
تسارعت أنفاسها ثانية وهي تتذكر شكل اليد المضرجة بالدماء والتي انطلقت من الشوال فجأة مثل عفريت العلبة…
“ليه بس ما صورتهاش” أنبت نورهان نفسها، ثم ضحكت قائلة بصوت مسموع “أصور ايه ده انا كنت هاموت من الرعب”
ظلت نورهان في سيارتها تنتظر الأمين، وبدأ اليأس يدب إلى قلبها وهي تتذكر كل المنشورات التي قرأتها على الفيسبوك عن النجدة التي لا تستجيب والأمين الذي لا يظهر أبدا… وتخيلت نفسها وهي تحكي لهند صديقتها وتتعرض لسخريتها اللاذعة عن براءتها التي لا تحتمل، والتي جعلتها تصدق أن هناك شيء اسمه نجدة في البلد… ولكن فجأة، رن هاتفها برقم غير مسجل، ردت، فإذ به الأمين:
“أيوه يافندم، حضرتك كنتي قدمتي بلاغ…”
“أيوه أيوه أنا”
“طيب حضرتك فين بالضبط؟”
وصفت له مكانها قدر الإمكان مستعينة بالمعالم المحيطة بها، ثم انتظرت…
وعلى مدى أكثر من ساعة، ظلت نورهان تتابع خطوات الأمين ونشاطه عبر الهاتف، ما بين عراك سريع يفضه وحادث سير يكتب له محضر…
“دي زمان الجثة اتحللت والله…”
“جثة… هو أنا بجد شفت جثة؟ آه”
بدأ الرعب ينحسر عن نورهان ويحل محله الفضول العارم، والإثارة اللذيذة، حتى أنها أرسلت رسائل صوتية على الواتساب لصديقتها هند بما حدث، وأخذت تتابعها بخطوات الأمين حتى ظهر…
سمعت صوت الدراجة البخارية أولا ثم رأت الأمين قادما عليها، وهي التي كان يداعب خيالها بوكس الشرطة المهيب الذي يقف فجأة فينطلق منه العديد من الأفراد المدججين بالسلاح فينتشرون سريعا في حزم وحسم…
“موتوسيكل موتوسيكل، مش هنتشرط، المهم انه وصل” فكرت…
ترجلت نورهان من السيارة واتجهت نحو الأمين الذي توقف أمام السوبر ماركت وأخرج هاتفه ليرن عليها في الأغلب، اقتربت منه قائلة:
“أنا نورهان حضرتك اللي اتصلت بخصوص…”
“الجثة…” قاطعها الأمين متلذذا بالفكرة…
“هي فين بقى الجثة دي؟”
أخذت نورهان تشير له بيديها وتشرح له الاتجاهات قدر الإمكان، ثم وصفت له المنزل غير المأهول والذي كان يقف وحيدا في تلك المنطقة المعزولة…
وهنا سألها الأمين السؤال الأشهر…
“وانت ايه اللي وداكي هناك؟”
“المفروض كنت هاحجز ورشة عمل ودي أول مرة آجي التجمع الأول وكنت ماشية ورا الـ GPS بس خرف مني وتهت”
ابتسم الأمين ابتسامة متهكمة عندما نطقت بالـ GPS ولسان حاله يقول
“وآدي آخرة التكنولوجيا”
ثم قال بصوت مسموع…
“طيب اديني البطاقة آخد البيانات واتفضلي”
“أتفضل؟” كررتها نورهان سائلة
“أيوه تتفضلي” قالها بابتسامة سمجة، وكأنه يكمل عبارته “أومال هتيجي معايا يعني”
“طب والجثة!” قالتها نورهان بخيبة أمل، وهي التي كانت تعد نفسها بمغامرة تستغرق ربما اليوم بأكمله…
“هنروح نعاين… أنا معايا نمرتك، لو فيه حاجة هنبقى نكلمك..”
“طيب… شكرا” قالتها نورهان بفتور ثم دلفت سيارتها وانطلقت…


“!٣ -“فلم

 

دخلت نورهان المنزل ونادت على والدتها الموجودة في المطبخ على الأغلب:
“ماماااااا، أنا جيت، حطيتلك مفاتيح العربية على السفرة”
خرجت والدتها من المطبخ مشمرة الأكمام كعادتها وممسكة بالمغرفة التي أصبحت وكأنها امتداد لذراعها نصف العارية…
“ايه ده؟ انت رجعتي يا نورا؟”
“لا يا ماما ده عفريتي…”
“انت هتهزري يا نورا؟ ها حجزتي الكورس بتاعك”
“لأ يا ماما… مانفعش فودافون كاش علشان الخط باسمك مش باسمي… مش هنعمل مشوار الخط ده بقى يا ماما؟”
“إن شاء الله… أومال انت ايه اللي أخرك كده؟”
“ما أنا قلت أروح أحجز في المقر نفسه ف التجمع… بس تهت واتأخرت وماعرفتش أحجز برضه”
“التجمع يا نورا؟ مش قلتلك التجمع ده لسه صحرا يا بنتي… طبعا لك حق تتوهي… مالها مدينة نصر؟ أكيد فيها كورسات م اللي نفسك فيها…”
“أيوه فعلا يا ماما… معاكي حق” قالتها نورهان مذعنة كي تنجو من نقاش أطول.
“أنا هادخل أريح شوية وبعدين أكتب، ماحدش يزعجني الله يخليكي يا ماما”
“برضه كتابة، يا بنتي ماتشوفي شغلك بقى، البلد مليانة كتب وماحدش بيقرا”
“معهلش يا ماما، اهه باجرب حظي، وماتقلقيش شايفة شغلي والله…”
اتجهت نورهان نحو غرفتها…
“طب استني… مش هتتغدي؟” سألتها والدتها بلهفة، ثم فردت ظهرها ورفعت رأسها وفتحت ذراعيها في وضعية أم كلثوم الشهيرة وقالت:
“ده أنا عملالكم رز معمر بالقشطة، وملوخية على شوربة بط إنما ايييييه… تستاهل بقك” قالتها والدتها بتلذذ وتقسيم لمقاطع الكلمات وكأنها تخرج معزوفة لموتزارت من فمها…
” رز وملوخية يا ماما… نفسي أعرف علاقتهم ايه دول بالدايت؟ أحلفلك على مصحف إني باعمل دايت؟”
“مانا هاعملك الطشة بزيت الزتون يا حبيبتي”
“مامااااا ماتجننينيش” قالتها نورهان ضاحكة ثم استأنفت:
“انت كل ما تشوفيني تقوليلي مش هتخسي بقى، ولما أعمل دايت تعمليلي ملوخية ورز بالقشطة… عموما هابقى اخد بولة ملوخية حاضر بس مش دلوقت… عن إذنك”
ودلفت إلى غرفتها مسرعة قبل أن تسترسل والدتها أكتر…
هي تحب والدتها حقا، ولكنها لا تعرف لم يجعلها الحوار معها وكأنها على صفيح ساخن، ويشعرها بالتوتر وعدم الراحة… حتى أنها لم تجرؤ أن تحكي لها عن قصة الجثة، وإلا سيصبح اليوم هو آخر يوم لكثير من الأشياء، أولاها قيادة السيارة، والتحرك خارج حدود مدينة نصر المقدسة، والدورات التدريبية، وربما أشياء أخرى…
كم تفتقد والدها، فمنذ أن فارق الدنيا من بضعة سنين وهي تشعر بالوحدة، كان أكثر من يفهمها في هذا المنزل، كان صديقها المقرب، يستمع إليها في صبر، ولا يوجه لها النصائح إلا في أضيق الحدود، وبطريقة غير مباشرة، كانت تحبها، وتفهمها. وقد ورث منه أخوها الأصغر محمود هذه الصفة، ولكنها لم تتبلور بعد لصغر سنه وقلة خبرته في الحياة، ربما سيكونان صديقين مقربين بعد عدة سنوات، أما الآن فمحمود دوما مشغول بكليته وأصدقائه، ونادرا ما يلتقيان…

أغلقت نورهان باب غرفتها، وخلعت طرحتها التي جعلت شعرها الرقيق يلتصق تماما بالجمجمة، فتخللته بأصابعها لينسدل في نعومة… ثم نظرت لنفسها في المرآة… تأملت وجهها المستدير، أبيض اللون والمشرب بالحمرة، وتساءلت عن شكله الحقيقي إذا ما شفطت منه الدهون، هل سيظل دائريا؟ أم ستكتشف أن وجهها مربعا مثلا أو بيضاويا في الأًصل؟ كانت بالكاد تبرز منه الأنف والأذنان، بينما تبدو عيناها غائرتين مثل زرين بنيين مثبتين للداخل في وجه لعبة أطفال محشوة… تلمست بأصابعها تحت ذقنها فشعرت بالدهن الذي يبدو وكأنه ذقن ثانية…
حاولت نورهان وضع يديها على خصرها، على أمل أن تجد وسطا مقسما، ولكن أصابعها المفتوحة على مصراعيها استحالت خطا مستقيما، بدلا من أن تشكل نصف دائرة، أو حتى ربعها… وبرغم لجوئها للملابس ذات الألوان القاتمة والموديلات الواسعة بلا أية تفاصيل تذكر، والتزامها أيضا بارتداء وشاح قطني صيفا وكوفية صوفية شتاء لمداراة ما يمكن مداراته، إلا أن سمنتها لا تزال واضحة…
“يا بنتي مش هتخسي بقى؟ ده انت اللي هيشوفك مش هيديكي أقل من أربعين سنة، وانت يا حبة عيني يا دوبك مكملة التمانية وعشرين”
والدتها محقة… فكرت نورهان وهي تشيح بنظرها عن المرآة…
جلست على الفراش وهي تتذكر كل أنواع الحميات الغذائية المعذّبة التي جربتها بلا نتيجة… وفي الحقيقة هي لا تستطيع أن تظلم الحميات، فهي لم تقو على الالتزام بها أصلا…
هي تحب الأكل… قولا واحدا…
“وهو الصراحة يتحب” قالتها لنفسها مبتسمة…
نظرت للميزان، وتساءلت هل سينصفها بعد يومين من شبه الحمية، ثم تجاهلته خوفا من الحقيقة العارية، والتي لا يقوم هو بتجميلها أبدا!
أمسكت نورهان بهاتفها الذكي لتتفحص الرسائل الواردة لها على تطبيقات التواصل الاجتماعي، ولكنها فوجئت بمكالمة وردت لها من رقم غريب ولم تتلقها، حدقت في الرقم، ثم ميزت أنه رقم أمين الشرطة، شعرت بأدرينالين الإثارة يندفع في عروقها وهي تعيد طلب الرقم…
مشغول…
مشغول…
مشغول أيضا…
ثم أخيراااا جرس…
“آلو… أنا نورا…”
“نورا مين؟”
اغتاظت نورهان في سرها من فكرة والدتها في مناداتها بنورا اختصارا…
“آآآآ قصدي نورهان..”
“نورهان مين برضه؟”
“الجثة”
“جثة ايه؟”
رفعت نورهان الهاتف من على أذنها ونظرت لشاشته بسرعة وقد شكت أنها اتصلت برقم خاطئ، ولكن المتكلم بادرها…
“آه آه الجثة…. هاهاهاهاها”
“أيوه؟”
“دول طلعوا بيصوروا فلم…”
“فلم؟ بجد؟”
“وأنا هاهزر معاكي يا آنسة!”
“لا لا مش قصدي… بس فلم ازاي يعني” تلعثمت نورهان
“فلم…” قالها الأمين باختصار… ثم أتبعها:
“فلم للكاتب اللي اسمه عمر عباس ده”
“قصدك عمرو عباس؟”
“عمر، عمرو، اهه كله واحد… عموما ده كان آخر مشهد… كلها كم أسبوع وتشوفيه في السينما… يلا سلام عليكم”
“وعليكم السلام” قالتها نورهان بسرعة وهي لا تستطيع تمالك نفسها من الإثارة عند سماع اسم كاتبها المفضل، فطلبت رقم صديقتها المقربة وبادرتها:
“هند ازيك”
“أيوه يا نورا، خير؟”
“عايزة أقولك على خبر فظيع”
“هااااااا؟”
“الجثة بتاعة النهاردة الصبح، الأمين كلمني وطلعوا بيصوروا فلم، عارفة لمين؟”
“فلم، بجد؟ لمين؟”
“لعمرو… عباس” قالتها نورهان على مقطعين بصوت مفعم بالسعادة…
“يااااادي عمرو عباس…” عقبت هند بفراغ صبر…
“أنا متخيلة انه هيبقى فلم تحفة، وأجمد من الأولاني كمان… لازم نشوفه أول ما ينزل” قالتها نورهان بحماسة…
“تشوفيه لوحدك يا حبيبتي، ما انت عارفة أنا مش فاضية للسينما والكلام ده، أنا ورايا مستقبل بأبنيه يا ماما” قالتها هند بنبرتها الرتيبة.
“طب قلتي ايه هتيجي معايا ورشة الكتابة بتاعته ولا ايه؟”
“مش عارفة يا نورا.. هأفكر كده وأقولك، هو آخر معاد للحجز امتى؟”
“همه كاتبين على الفيسبوك انه النهاردة، بس أنا هأكلمهم وأحاول أتصرف”
“اوكيه، شوفي وعرفيني، ويا رب تعرفي تحضريها بقى علشان نخلص من زنك وسيرة عمرو عباس ده”


 

“٤ – “في السينما

 

جلست نورهان في منتصف الصف الأخير من السينما وحيدة كعادتها… يدها اليسرى ممسكة ببرميل ورقي ضخم مليء بحبات الفشار المغطاة بطبقة من الكراميل الهش الذي زاده متعة في الطعم حيث امتزج الطعم المالح مع المسكر في معزوفة حقيقية تضاهي معزوفات والدتها، كما ضاعف وجود الكراميل من صوت “الكراش” المميز لدهس حباته تحت أسنان نورهان…
أما يدها اليمنى فكانت تتبادل الأدوار ما بين إرسال حبات الفشار إلى حتفها وبين كوب الكابتشينو الساخن، وقد حمدت الله أن مقاعد السينما مصممة بفتحة دائرية للكوب.
“بيفهموا والله” قالتها لنفسها بسعادة…
لم تكن حركة يدي نورهان وفمها الآلية لتحول بينها وبين التعايش مع الفلم، فكان كيانها كله يتماهى مع الشاشة وما عليها في انسجام تام…
إنه فلم عمرو عباس الجديد، وهو ثاني فلم يتم إنتاجه مبنيا على أحداث رواية من تأليفه، وقد أحدث الفلم الأول ضجة وسط جمهور الأفلام البوليسية وأفلام الغموض… وهي ضجة يستحقها في رأيها، بعد أن ظلت رواياته البوليسية هي الأعلى مبيعا في أغلب المكتبات لمدة شهور…
“آه”
“آها”
“آآآآآ”
انطلقت فجأة الشهقات المتتالية من حناجر الجمهور المتناثر في القاعة… عند ظهور مشهد لشوال ملقى على الأرض، تظهر منه يد دامية فجأة..
شهق الجميع ماعدا نورهان، التي ابتسمت وهي تتخيل نفسها مخرجة لسانها لمن حولها، لتغيظهم مثل الأطفال قائلة بصوت متموّج:
“أنا شفته قبلكم” …
ولكن سرعان ما بهتت ابتسامتها فجأة، وأطلقت شهقة أعلى من كل الشهقات الأخرى، جعلت رؤوس المحيطين تتجه إليها وهي تصرخ دون وعي:
“بس دي مش نفس الايد!!!”…
ظلت نورهان تنظر نحو الشاشة في ذهول وعقلها يحاول تفسير ما رأت… انتهى الفيلم، وبدأت أسماء فريق العمل في الظهور على الشاشة، ونورهان لا تتحرك…
أخذت عيناها تتابع الأسماء بلا وعي منها، بينما صورة اليد الدامية تحتل عقلها تماما، حتى انقطع تفكيرها فجأة عندما ميز عقلها أحد الأسماء المكتوبة على الشاشة…
– سالي مختار… ماكييرة ومؤثرات بصرية
“(سالي مختار)، معقولة تبقى هي سالي؟ ممكن قوي، هي كانت دخلت فنون جميلة”… فكرت نورهان وقد أعاد لها تمييز الاسم حيويتها…
أمسكت بهاتفها المحمول، وضغطت في سرعة على الأيقونة الزرقاء التي تفتح لها دوما بابا سحريا على العالم، وبقليل من البحث، وجدت فعلا اسم “سالي مختار”، وبينهما صديقة مشتركة من أيام المدرسة الثانوية. دخلت على صفحة سالي الشخصية، فوجدت صورا لأعمالها المختلفة، والتي يبدو واضحا منها أنها تعمل بالفعل كماكييرة أو خبيرة مؤثرات بصرية في مجال السينما، وقد استنتجت من الصور أيضا أن سالي مثلها، لم تتزوج أو ترتبط بعد…
ظلت نورهان تتصفح الصور في فضول حتى رأت صورة اليد الدامية ومكتوب تحتها:
(ايه رأيكم في شغلي؟ ادخلوا الفيلم وقولولي)
دق قلبها سريعا ولم تستطع الانتظار أكثر، فقامت بإرسال رسالة سريعة عبر مسنجر الفيسبوك لسالي تطلب لقاءها، وقد أرفقت رقم هاتفها بالرسالة وهي تدعو الله في سرها أن تستجيب سالي بسرعة، فعندما يتملكها الفضول، تشعر أن كافة جوارحها معلقة بالأمر.
ظل بصر نورهان معلق بشاشة الهاتف، تقوم بعمل تحديث كل ثانية، حتى أنها لم تلاحظ أن قاعة السينما أصبحت خالية تماما إلا منها…
“ممكن حضرتك… علشان ننضف”
انتبهت نورهان من تركيزها على هذه العبارة، وللحظة لم يفهم عقلها “ممكن” ماذا؟ رفعت نظرها للفتاة الواقفة أمامها في عدم تمييز، ثم أدركت من أدوات النظافة بيدها أن المطلوب منها هو مغادرة القاعة…
خرجت نورهان وعيناها لا تفارق شاشة الهاتف، وجلست على أول مقعد صادفها في قاعة الانتظار أمام القاعة.
ظهرت علامات الصح الزرقاء المميزة بجوار رسائلها لسالي والتي تفيد بأن سالي قرأتها…
رقص قلبها فرحا…
لحظات ورن الهاتف بنمرة غريبة:
“آلو… نورهان؟” أتاها صوت رقيق يسأل بحذر…
“أيوه أنا… مين؟” سألتها نورهان وهي تمني نفسها بالرد…
“أنا سالي…” أتاها الرد بصوت مرح، أعاد لها كل ذكريات الثانوي في لمحة…
“سالي… ازيك… وحشاني جدااااا… فييييينك.. معقولة بقالنا سنين ماشفناش بعض… ده احنا كنا صحاب قوي يا بنتي واحنا ف ثانوي”
“آه والله يا نورا، مش عارفة ايه اللي حصل! بس انت ايه اللي فكرك بيه؟”
“أنا لسه خارجة من فلم (اليد الدامية) حالا، ولقيت اسمك منور على الشاشة فقلت لازم أكلمك”
“ايه ده بجد؟ أنا مبسوطة قوووووي… وعجبك شغلي؟ شفتي الايد؟ كأنها حقيقية صح؟”
“آه هايلة يا سالي… أنا عايزة أشوفك”
“يا ريت يا نورا بجد، يا ريت نتقابل، أنا النهاردة بأعمل شوبنج ف الفيستيفال، فشوفي أي يوم تاني يناسبك”
“بتهرجي، أنا هنا برضه ف كايرو فيستيفال، لسه خارجة من السينما”
“الله، تحفففففة… طب بصي اديني نص ساعة هأرجع بس حاجة كنت شارياها وأجيلك، هتبقي فين؟”
“طب هايل… خلاص كلميني لما تخلصي ونتفق… سلام”


 

“٥ – “اليد الدامية

 

خرجت نورهان بخطوات آلية من قاعة الانتظار بالسينما نحو قاعة المطاعم الكبيرة والمفعمة بالضجة، وهي لا تزال تفكر في اليد الدامية… قادتها قدماها نحو الممر الذي يفصل قاعة المطاعم عن باقي المركز التجاري الشهير، ولم تنتبه أنها بهذه الخطوات تخرق اتفاقية المسار الآمن التي سبق وأن وضعتها مع نفسها، حيث أنها كانت تدخل إلى السينما وتخرج منها عبر مسار آخر يمر عبر منطقة دورات المياه، لكي تتجنب المنطقة الخطرة التي تفقدها اتزانها…
منطقة الرائحة الخزعبلية…
ولكنها هذه المرة، وقعت في الفخ!
لم تنتبه نورهان لما فعلت حتى اقتحمت الرائحة فتحتي الأنف لديها واحتلتها تماما، ثم انتقلت عابرة القصبة الهوائية لتحتل رئتيها ومنها إلى روحها، وفي لحظات أصبحت نورهان ملبوسة تماما بتلك الرائحة…
رائحة القرفة الطازجة، الممزوجة برائحة كريمة الجبن الغنية، والمعجنات المخبوزة بالزبد الذهبية الذائبة…
أدركت نورهان خروجها عن المسار الآمن عندما شعرت بعضلاتها تتراخى، وجسدها يتحرك كالمسحور نحو مصدر الرائحة، أو كذلك الذي يلبي النداهة وهو يدرك أن في اتباعها هلاكه…
هي تعلم جيدا عدد السعرات الحرارية الموجودة في تلك القنبلة اللذيذة، وهي لا تستطيع أن تتحمل رفاهية تلك السعرات بعد الفشار ذي الكراميل، وكوب الكابوتشينو عظيم الحجم…
أوقفت نورهان نفسها على بعد خطوات من المقهى وهي تحاول ممارسة أقصى درجات ضبط النفس… تذكرت الخطة (ب) والتي يجب اتباعها عندما تشعر أن كافة دفاعاتها قد سقطت…
“آه يا صديقي المخلص”…
إنه ذلك التطبيق الإلكتروني الموجود على هاتفها باسم
My fitness pal
والذي تعتبره نعم الـ pal في معاناتها مع الوزن الزائد.
فتحت هاتفها الذكي، وضغطت على أيقونة التطبيق الزرقاء، فطالعها عدد السعرات المتبقية لها لليوم، أدخلت سعرات الفشار والكابتشينو، ثم قرأت الرقم، لا مجال لأية فطائر محلاة أو مخبوزات جهنمية، الخيار الوحيد المتاح أمامها، هو طبق كبير من السلطة وقطعة من البروتين الخالي من الدهن، لكي تستطيع موازنة اليوم.
أسرعت نورهان مبتعدة عن مصدر الخطر، فاتجهت نحو واجهة المكتبة الشهيرة والقريبة من مقهى الرائحة الختالة، تتأمل الكتب والروايات المتراصة في واجهتها الزجاجية في حب ووله تغلب على حبها للفطائر المحلاة…
انتبهت على صوت الهاتف، وإذ بها سالي…
“أنا خلصت يا حلوة، تحبي نتقابل فين؟ نتقابل في سينابـ…”
“لا لا لا بلاش الله يخليكي… هو انت جعانة؟ هتتغدي”
“لا مش جعانة، بس ممكن أشرب حاجة”
“طب بصي نتقابل في الدور الأرضي قدام الكافيه بتاع الست أم نجمة خضرا…”
“هاهاها حلوة الست أم نجمة دي، طيب خلاص خمسة وأكون عندك…”
جلست نورهان إلى مائدة مستديرة تابعة للمقهى الشهير، وأمامها زجاجة ماء صغيرة.
وبعد لحظات ظهرت سالي…
متألقة تشع مرحا كعادتها… طويلة القامة، عريضة الكتفين، رشيقة كما كانت دوما، تلبس كنزة صوفية واسعة على بنطال ضيق من الجينز ينتهي بداخل حذاء جلدي عالي الرقبة يكاد يصل إلى الركبة، وممسكة بحقيبة جلدية ضخمة بنفس لون الحذاء…
بعد القبلات والسلامات والطيبون، دخلت سالي المقهى لتشتري مشروبها المفضل ثم خرجت وجلست أمام نورهان…
“معقولة هتشربي مية بس؟ مش دي نورا اللي أعرفها” قالتها سالي ضاحكة… وهي ترتشف من الكوب الضخم المزين بكريمة يسيل لها اللعاب…
“لا ما أنا ضبّطت نفسي في السينما، بالهنا والشفا انت بقى… ” قالتها نورا مبتسمة وهي تتأمل الشارب الأبيض السميك الذي ظهر فوق شفتي سالي…
“زي ما انت يا سالي… ماتغيرتيش… انت بجد وحشتيني”
ضحكت سالي برقة وصفاء، أشعرا نورهان بما تفتقده من بهجة، ولا إراديا ظهر في خيالها صورة وجه هند، نفضت الصورة سريعا واستأنفت..
“وبرضه بتغيري لبس؟ مش ممكن… أنا فاكرة أيام ثانوي، كنتي على طول تشتري وبعدين تجري تاني ترجعي اللي اشترتيه”
“لااااا أنا دلوقت بقيت أفظع، مش بألاقي بسهولة حاجة تبقى حلوة عليه، بالذات مع الحجاب، وانت عارفة الوسط بتاعنا، كل شوية بأبقى عايزة أقلعه، وأرجع على آخر لحظة وأقول بلاش، ده الواحد بيتشعلق ف رضا ربنا على رأي ماما كريمة، ويمكن تبقى دي الحاجة الوحيدة العدلة اللي بأعملها، ده انا حتى الصلاة، كتير بتفوتني بسبب مواعيد الشغل، يلا ربنا يهديني بقى… وأنت بتشتغلي ايه دلوقت؟”
“أبدا، من ساعة ما اتخرجت من تجارة، وأخدتلي شوية الكورسات إياهم وانا باشتغل فريلانسر ف مجال الميديا، أهه تصميمات جرافيك، على فيديو ايديتنج، بس لساها الكتابة حلمي”
“أيوه، ده أنت أيام المدرسة كنت أجدع واحدة تكتب مواضيع تعبير، فاكرة القصة اللي كتبتيها على ميس هدى ورحنا كلنا بسببها للناظرة”
“هاهاها انت لسه فاكرة، أنا مش عارفة هي ليه خدتها على نفسها”
افترت شفتا سالي الرقيقتان عن ضحكة أظهرت أسنانا أمامية أكبر من المتوقع وهي تقول “هنهرج، ده انت كنت واصفاها بالمللي ويا دوبك بدل هدى سميتيها منى، هاهاها كانت أيام… المهم ما قلتيش بجد عجبتك الايد؟”
“آه الايد!”
“أنا أول ما سمعت الناس بتشهق في العرض الخاص قلبي رقص وحسيت إن شهقاتهم دي أحلى حاجة سمعتها في حياتي…”
نظرت نورهان لعيني سالي الواسعتين الجميلتين والمؤطرتين بحاجبين منمقين واللاتي أضفت عليهما سعادتها بريقا، واضطرت أن تعترف لها بما يؤرقها:
“بس دي مش نفس الايد يا سالي”
“يعني ايه؟”
حكت نورهان لسالي عن اليوم الذي رأت فيه اليد الدامية لأول مرة، ومكالمة الأمين لها، ثم أنهت الحكاية بقولها…
“ولما شفتها على الشاشة عرفت على طول انها مش نفس الايد”
“يعني ايه يا نورا؟ أنا برضه مش فاهمة”
“يعني الايد اللي أنا شفتها ف الشارع كان شكلها مختلف، وكان عليها تاتو”
صمتت سالي وازدردت ريقها للحظة حتى ظنت نورهان أنها ستفسر لها ما رأته، ولكنها ضحكت فجأة بشكل غير متوقع قائلة:
“هاهاها ايه الخيالات دي بس، تاتو ايه يا نورا؟ ده أنا اللي عاملالها الإيفكتس بنفسي”
فتحت نورهان حقيبتها بنفاذ صبر، وأخرجت منها قلما، وبحثت قليلا على ورقة، ثم جذبت منديلا ورقيا من على المائدة، وشرعت ترسم عليه طائرا مفرود الجناحين، ثم دفعته بيدها نحو سالي قائلة:
“تاتو، زي ده”
امتقع وجه سالي فجأة… وظهرت عليه علامات قلق عميقة لم تلاحظها نورهان عندما رأتها لأول مرة منذ دقائق…
“ايه يا سالي؟ مالك فيه ايه؟” سألت نورهان بقلق…
ازدردت سالي ريقها بصوت مسموع…
“سالي، ردي عليه… مالك؟
“أنا… شفت التاتو ده قبل كده…” قالتها سالي بصوت متردد
اتسعت عينا نورهان وعلا صوتها بغير أن تشعر وهي تسأل:
“شفتيه فين؟”
“كان… كان على ايد وائل”